مدير جامعة الملك عبدالعزيز : المدينة المنورة عاصمة الثقافة الإسلامية منذ أن وطئت أقدام الرسول صلى الله عليه وسلم أرضها

تاريخ النشر : الأحد 28 ربيع الثاني 1434 عدد التعليقات : 0 الزيارات : 2010

     طيبة الطيبة، مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضجع النبي صلى الله عليه وسلم، أحب بقاع الأرض لله عز وجل المدينة المنورة على دعاء الرسول لها، ظلت منذ (طلع البدر علينا) منبعاً للإيمان، ووكراً خصباً للعلم والمعرفة، فمنها انطلقت الفتوحات الإسلامية إلى سائر أرجاء الأرض آنذاك، ونشر الإسلام في ربوعها، مما كان مدعاة لإنهمار سيل طالبي العلم الشرعي إلى ردهات المسجد النبوي للتزود بالمعارف والعلوم الشرعية، من حلقات الدروس التي كان يعقدها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم التابعون من رجال الفكر الإسلامي النير.
     من هنا انطلقت فكرة المجاورة بالمدينة المنورة إذ كانت تنطوي على هدفين أساسيين البقاء في طيبة الطيبة بجوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والنهل من علوم علماء المدينة المنورة وكان نتيجة ذلك عشرات الآلاف من العلماء ورجال الفكر الإسلامي.
     وللحقيقة والتاريخ، فإن المدينة المنورة ليست عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2013م، بل هي عاصمة الثقافة الإسلامية منذ أن وطئت أقدام الرسول صلى الله عليه وسلم أرضها، فهي بذلك منبع العلوم والثقافة الإسلامية طوال مايقارب خمسة عشر قرنا من الزمان.
     ماحدث في مدينة باكو عاصمة أذربيجان في أكتوبر2009م، حين وقع اختيار منظمة التعاون الإسلامي المدينة المنورة لتكون عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2013م فذلك من باب المجاز، ومن باب تشريف بعض المدن الإسلامية لتحظى بشرف التمثيل واحتضان فعاليات الاحتفالات بمناسبة اختيار إحداها لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية، حرصا على ربط تلك المدن بالثقافة الإسلامية وبعث روحها في أهلها ومواطنيها.
     فالمدينة المنورة كانت مرتعاً خصباً للصحابة الأجلاء ( رضوان الله عليهم) لينهلوا من معين الرسول العلمي الذي قام عليه كل أنواع العلوم الشرعية، فمدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم الحديثية : القولية، والفعلية، والتقريرية، كانت هي النواة الأولى لكل هذا الإرث العلمي الإسلامي الذي تنوء به مئات الألوف من الكتب والمتون والشروح عبر العصور المختلفة، فبذلك كانت مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الوعاء الأول للثقافة الإسلامية حديثا شريفاً، وأخلاقاً، وتربية، وعادات اجتماعية، وأدباً، وخطابة، وبواعث شعر رصين، وأعرافاً وتقاليد، وفوق هذا وذاك، تعاليم القرآن الكريم إذ كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن، وأنه ما أتى إلا ليتمم مكارم الأخلاق.
    أما أول مدرسة نظامية في الإسلام، فكانت تحت رعاية النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مدرسة أهل ( الصفة) الذين كان أكثرهم لاهم لهم إلا العلم ثم العلم ثم العلم، بعيداً عن كل ملذات الحياة ونعيمها، وأقربهم مثالاً لذلك عبدالرحمن بن صخر الدوسي ( أبو هريرة ) رضي الله عنه،الذي نذر نفسه وحياته للنهل من علم الرسول صلى الله عليه وسلم، لاتهمه في الحياة إلا لقيمات يقمن صلبه ليواصل تحصيله العلمي، والأعظم في أمر هذا الصحابي الذي حفظ لنا هذا التراث الحديثي الضخم أنه كان أمياً لايقرأ ولا يكتب، ومثله عديد.
     فالمتأمل في تاريخ طيبة الطيبة خلال كل العصور من خلال مصادر تاريخ المدينة المنورة ( ابن شبة، ابن زبالة، السمهودي، الفيروزابادي، السخاوي ... وغيرهم الكثير ) يتيقن تماما من أن المدينة لم تفتر في أي عهد من العهود عن حمل هذه الثقافة الإسلامية بكل مسؤولية واقتدار.
     وقد ساعد المدينة المنورة أن تتحمل تبعات هذه المسؤولية الثقافية اهتمام الخلفاء والأمراء وأصحاب الجاه والسلطة والمال بأمرها، وتهيئة المناخ المناسب لتوليدات وتعريجات هذه الثقافة مستندة في كل ذلك إلى القرآن الكريم والحديث الشريف، وعلى ماجادت به قرائح الصحابة وشعراء الرسول صلى الله عليه وسلم، والتابعين، ومن جاء بعدهم من رجال الفكر والدين إلى يومنا هذا .
     فضلاً عن ذلك الاهتمام فقد كانت هناك الأوعية التي كانت تحتضن العلم والعلماء، متمثلة في الربط والزوايا والخانقاهات، والمدارس والمكتبات وما إلى ذلك من الأمور التي ساعدت على بقاء واستمرار هذا الزخم الثقافي الإسلامي عبر القرون الخمسة عشر، بدءاً من العهد النبوي الزاهرالذي وصل فيه الاهتمام بالمدينة المنورة ذروته في كل المجالات، وبخاصة في المجالات الثقافية، وما موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز على اقتراح معالي وزير الثقافة والإعلام لترشيح المدينة المنورة عاصمة للثقافة الإسلامية إلا مظهرا من مظاهر الدعم الذي يوليه خادم الحرمين الشريفين لمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن خلال الاهتمام بكل أوعية الثقافة الإسلامية وعلى رأسها : مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (بعدة لغات)، ومركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، ومدينة المعرفة الاقتصادية، وجائزة المدينة المنورة، وجائزة الأمير نايف لخدمة السنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة...وغيرها الكثير الكثير.
     وكلها روافد تصب في إثراء الثقافة الإسلامية التي منبعها المكاني طيبة الطيبة، أما الزماني فخمسة عشر قرنا.
     الشكر والتقدير لكل من أسهم في هذا الاختيار( التوقيتي الدوري)، ولكل من أسهم في تنفيذ الأمر السامي لوضع خطة كاملة للاحتفاء بهذه المناسبة الإسلامية المتميزة، مع يقيني التام من أن المدينة المنورة بهذا الاختيار الدوري، ستظل رأس الرمح في احتضان الثقافة الإسلامية وإثرائها وبعثها.
     متمنياً للجميع التوفيق والسداد ولطيبة الطيبة أن تظل متألقة خيراً وبركة على الأمة الإسلامية وتراثها الثقافي .

معالي الأستاذ الدكتور أسامة بن صادق طيب
مدير جامعة الملك عبدالعزيز 

الاسم

 

البريد الالكتروني

   

التعليق