المدينة المنورة عراقة التاريخ وثقافة الحضارة

المدينة المنورة .... عراقة التاريخ وثقافة الحضارة

المدينة المنورة:  واحدة من المدن المغرقة في القدم, ينسب المؤرخون تأسيسها إلى مجموعة من الجيل الخامس من أحفاد رسول الله نوح عليه السلام كانت تبحث عن موطن تستقر فيه, فوجدت سهلاً خصيباً تتخلله الينابيع والأودية, وتحيط به الجبال والحرار البركانية فنزلت فيه وأسست قرية سمتها باسم زعيمها ( يثرب ).

عاشت يثرب أحقابا طويلة مجهولة, ربما تخبرنا عنها المكتشفات الأثرية القادمة, إلى أن ظهر اسمها في النقوش والكتابات المعينية والكلدانية والإغريقية, والتي ترجع إلى عشرين قرناً قبل الهجرة النبوية.

ونخلص من تلك النقوش والكتابات إلى أن يثرب كانت محطة على طريق القوافل بين الشام واليمن, يعيش أهلها في سكينة, بعيداً عن الأحداث الضخمة والحروب الطاحنة بين الممالك الكبيرة, وتخضع لنفوذ المملكة التي تسيطر على الحجاز, لتوفر لقوافلها استراحة آمنة, وتزودها بما تحتاجه من مياه وتمور.

وتذكر المصادر التاريخية العربية أن يثرب استقبلت بعد ذلك أفرادا وقبائل من أنحاء الجزيرة العربية, ومن فلسطين واليمن استوطنوا فيها وشكلوا مع اليثربيين الأخرين مجتمعاً متعدد الأعراق والأديان تعايش أبناؤه في سلام ردحاً من الزمن، إلى أن نشب بينهم صراع على السلطة, بدأه زعيم يهود (الفطيون) الذي سعى للاستبداد والتسلط, فقتله مالك بن العجلان الخزرجي، واستنجد بأقاربه من غساسنة الشام أو تبابعة اليمن فأنجدوه وكسروا شوكة يهود.

وما لبثت أن نشبت فتنة بين القبليتين الشقيقتين الأوس والخزرج لم تغب عنها أصابع اليهود أججت الأحقاد, وأوقعت معارك متقطعة على امتداد ستة عقود أزهقت فيها أرواح كثيرة, آخرها معركة بعاث التي وقعت قبل الهجرة النبوية بخمس سنوات حيث أدرك عقلاء القبيلتين أن الكل خاسر فأوقفوا الحرب, وأخذوا يبحثون عن من يحقق ليثرب الأمن والعدل والوئام.

وفي ذلك الحين, كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى العنت من مشركي  قريش. وكان يخرج في موسم الحج إلى منى ليعرض دعوته على وفود القبائل, فلقي في السنة الحادية عشر من بعثته ستة من حجاج يثرب وعرض عليهم الإسلام فأسلموا ونقلوا خبره إلى يثرب وفي السنة الثانية لقيه اثنا عشر يثربياً وبايعوه، وفي موسم السنة الثالثة عشرة من البعثة لقيه خمسة وسبعون وبايعوه على النصرة ودعوه والمسلمين للهجرة إليهم.

كانت الهجرة النبوية بداية التاريخ الذهبي لهذه البلدة الكريمة، تغيرت على أثرها أمور كثيرة من أساسيات حياتها, انتشر الاسلام فيها, وتغير اسمها، وانتهت الشحناء بين أبنائها المتحاربين, وتوحدوا في اسم قرآني يُعلي شأنها إلى الأبد هو : الأنصار. وانطلقت منها أفواج الدعوة وكتائب الجهاد وتعرضت لغزوتين كبيرتين هما غزوة أحد وغزوة الأحزاب, وتخلصت من اليهود المعاندين للإسلام, وأقبلت إليها الوفود من أنحاء الجزيرة العربية تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعلى مدى السنوات العشر التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة كانت المدينة مركز الإشعاع الإيماني  والثقافي والسياسي, فالوحي الذي يتنزل في جنباتها, والتوجيهات النبوية التي تواكبه, تصنع معارف وسلوكيات حضارية متميزة في جيل الصحابة, وتحمّلهم رسالة نقلها إلى الأخرين، وقد حملوها بجدارة, ونشروا غراسها في كل أرض وصلوا إليها, لتصنع هذه الغراس ثقافة جديدة, ولتشارك الأمصار التي غرست  فيها في تنمية هذه الثقافة بقرائها ومفسريها وفقهائها وعلمائها وأدبائها, فكانت المدينة بحق محضن بذورها, ومنبت غراسها، والعاصمة الأولى للثقافة الإسلامية, في أصولها وفي معطياتها اللاحقة.

وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم واصلت المدينة رسالتها الايمانية والمعرفية, فصارت مركز الخلافة الراشدة, وعاصمة الدولة الاسلامية المتنامية. حفظت وحدتها بالقضاء على المرتدين, وأرسلت الدعاة وكتائب الفتح في كل اتجاه, وطبقت الإرث النبوي في حياة أهلها وسلوكياتهم وتربيتهم لأبنائهم جيل التابعين.

 وعندما تحولت الخلافة إلى الأمويين في دمشق سنة 40 هـ تخلصت المدينة من أعباء السياسة، وتفرغ أهلها لشؤون حياتهم اليومية, ولحلقات العلم في المسجد النبوي, ونشطت حركة جمع الحديث النبوي والسيرة النبوية وظهر فقهاء متميزون يفتون الناس في مستجدات حياتهم, واتسعت المدينة وانتشر العمران, وازدحمت القصور على ضفاف وادي العقيق، وبنيت السدود على الأودية، وأنشئت المزارع الواسعة, كما أنشئت أول شبكة تنقل المياه في قنوات محكمة تحت الارض من آبار قباء إلى المسجد النبوي والأحياء المجاورة, وتفيض في المزارع، سميت العين الزرقاء، وأعيد بناء المسجد النبوي ووسع توسعة كبيرة بتقانة وزخرفة عالية, وكثرت الأموال ونمت الثروات, وباستثناء وقعة الحرة سنة 63 هـ التي فقد فيها أهل المدينة عددأ من أبنائهم, لم تشهد المدينة اضطرابات كبيرة تعكر صفو حياتها.

ولما انتقلت الخلافة إلى العباسيين سنة 132 هـ بايعهم أهل المدينة، واستمرت الحياة فيها على وتيرتها إلى نهاية القرن الهجري الثاني باستثناء حدثين كبيرين هما: مقتل بعض الأمويين من أبنائها أو فرارهم منها. وخروج محمد النفس الزكية على الخليفة المنصور سنة 145 هـ, وتحصنه ومقتله مع عدد من أنصاره على يد الجيش العباسي الذي اقتحم المدينة وانهى ثورته, بعدها عادت المدينة سيرتها في الحياة العلمية والاقتصادية, وظهر الإمام مالك, وقصد حلقته طلاب العلم من مختلف الامصار الإسلامية.

وفي العقد الثاني من القرن الهجري الثالث ظلت المدينة مقصد المسلمين لزيارة مسجدها النبوي ، ولقاء كبار علماء العالم الإسلامي، فكانوا يتلاقون في رحابه, ويتبادلون القراءات والإجازات, وبعضهم يجاور مدة من الزمن ويلقي الدروس, فيستفيد منه طلاب العلم ولو لبعض الوقت.

ظلت المدينة منكمشة داخل السور الذي بني حولها سنة 263هـ ليحمي أهلها أكثر من قرنين, وتنافس العباسيون والفاطميون في كسب ولائها والخطبة لهم على منبر المسجد النبوي, وأرسلوا الأموال والهدايا. وما لبث العمران أن اتسع وتجاوز السور في الجهتين الجنوبية والغربية, فبنى سور ثالث استوعب الامتداد العمراني تبرع بتكاليفه السلطان نور الدين زنكي. واستطاع من بعده صلاح الدين الأيوبي وأبناؤه أن يحافظوا على ولاء المدينة للعباسيين, وتولت الأسرة الحسينية من آل المهنا إمارتها وتحول الولاء إلى سلاطين المماليك في مصر بعد سقوط الدولة العباسية, وتمتعت المدينة باستقلال ذاتي غالباً، وكان السلاطين يرسلون مراسيم التولية والعزل وفق ما تتفق عليه الأسرة الحسينية في أكثر الأحيان, ويتدخلون في الحالات القليلة التي تحدث فيها اضطرابات كبيرة أو تعد فاضح على الأعراف المتفق عليها داخل الأسرة, ولكن الإمارة لا تخرج عن أبنائها.

وفي العهد المملوكي نشطت الحركة العلمية في المدينة, وظهر فيها علماء وأدباء ومؤرخون أضافوا للمكتبة العربية مؤلفات مهمة وخاصة في تاريخ المدينة وأعلامها حتى ليعد هذا العهد من أغنى عهود التأليف في المدينة وعنها، وقبيل نهاية العهد المملوكي ألحقت إمارة المدينة النبوية بإمارة مكة وضعف شأن أمرائها الحسينيين وصاروا نوابا في إدارتها عند أبناء عمهم الحسنين أمراء مكة, ولما استولى السلطان العثماني سليم الأول على مصر أرسل أمير مكة إليه وفداً يحمل مفاتيح الحرمين, رمزاً لإعلان الولاء له, وبداية لدخول الحجاز بمدينتيه المقدستين تحت السلطة العثمانية. وقد اهتم العثمانيون بالمدينة وأرسلوا إليها الأموال وأعادوا بناء سورها وشيدوا فيها قلعة حصينة للحامية العسكرية التي أرسلوها, ونظموا إدارتها وأبقوها تابعة لإمارة مكة أول الأمر ثم منحوها الاستقلال تدريجيا، وأصبحت وظائفها العسكرية تعين من عاصمة الخلافة مباشرة, وأصبح شيخ الحرم النبوي المنصب الأعلى إداريا، وكثرت الهجرات الفردية والعائلية إلى المدينة من كافة الأمصار الإسلامية وأصبح المجتمع المدني خليطاً من أبناء المجتمعات الاسلامية في أوربا وأسيا وأفريقيا, وخاصة في القرن الأخير من العهد العثماني الذي امتد أكثر من أربعة قرون ( 923 ــ 1337 هـ ), وكانت المدينة تطبع الجميع بطابعها الديني والاجتماعي, وانتشرت المصاهرات بين الفئات المختلفة لتزيد من التمازج والتآلف بين سكانها, ونشطت الأوقاف الخيرية والعلمية, وانشئت عدة مدارس ومكتبات أوقفها كبار المسؤولين والميسورين، وتواصلت  حلقات العلم في المسجد النبوي.

 وفي الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري شهدت المدينة نمواً وازدهاراً كبيرين, فقد مدت إليها أسلاك البرق ووصلها خط السكة الحديدية الذي اجتهد السلطان عبد الحميد الثاني في مده ليسهل على المسلمين أداء فريضة الحج, وليكون الشريان الذي يربط بين ولايات الدولة, وتضاعف عدد سكان المدينة أكثر من ثلاثة أضعاف, ونشطت التجارة.

غير أن قيام الحرب العلمية الأولى, وتورط الادارة العثمانية التي استولى عليها جماعة الاتحاد والترقي في تلك الحرب القاسية, أصاب المدينة بأذى كبير فقد قاد الشريف حسين أمير مكة وأبناؤه ثورة عاتية ضد الدولة العثمانية وإلقاء الخلافة وتقاسم العالم الاسلامي بينهم واستمات القائد العثماني فخزي باشا في الدفاع عن المدينة عندما حاصرتها قوات الشريف حسين, وحض أهلها على الهجرة منها تحسباً لمعركة لم تقع أبداً ثم قام بتهجير الذين لم يخرجوا طوعا حتى لم يبق فيها إلا عدد قليل  من العائلات واستقبل أهل المدينة أول الأمر بحفاوة في كل مكان فلما اشتدت أوزار الحرب عانى المهاجرون منها مرارات كثيرة وعانى الباقون فيها الغلاء والجوع والحصار واستمر عناد فخزي باشا حتى بعد سقوط عاصمة الخلافة في يد الحلفاء ووصول الأوامر منها بالتسليم, فقام بعض ضباطه بالانقلاب عليه وسلموا المدينة للهاشمين عام 1337 هـ.

استعادت المدينة بعض عافيتها في عهد الهاشميين ورجع إليها قسم كبير من سكانها الأصليين , ولكن ضعف إمكانات الدولة وقصر مدة العهد الهاشمي ودخوله في صراع مع السلطة السعودية المتنامية في نجد جعل المدينة تعاني لبعض الوقت من أثارها هذا الصراع ، وتنتظر الظروف التي تهيئ لها فرصة التطور والازدهار، وجعل أهلها يراسلون الملك عبد العزيز الذي كان يوحد البلاد فأرسل الملك عبد العزيز ابنه محمداً فتسلم إدارتها في التاسع عشر من شهر جمادى الأولى سنة 1344 هـ وأخذ البيعة نيابة عن والده من أهلها, فبدا عهد جديد في حياة هذه المدينة المقدسة، دخلت فيه ضمن منظومة الدولة السعودية, وصارت واحدة من إمارتها المهمة.

لقيت المدينة عناية فائقة من الملك عبد العزيز وأبنائه في جميع جوانبها الادارية والثقافية والعمرانية, وحظي المسجد النبوي باهتمام خاص منهم جميعاً, فقد أمر الملك عبد العزيز بالتوسعة السعودية الأولى التي ضاعفت حجمه وكان لكل من تولى الملك بعده نصيب في إجراء توسعة جديدة سواء  في مبناه أو ساحاته أو تطوير تجهيزاته وخدماته للمصلين والزوار، وأحدثها ما أمر به خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله من تظليل الساحات وإجراء توسعة جديدة لمبناه وساحاته، مما ضاعف قدرته الاستيعابية، وأصبح المسجد بحق درة عمرانية متميزة يوفر أفضل الظروف لعبادة هانئة مطمئنة.

وعلى مدى العقود السبعة الماضية من العهد السعودي شهدت المدينة تطورات كبيرة, تضاعف عدد سكانها أكثر من خمسة أضعاف واتسعت رقعتها العمرانية في جميع الاتجاهات, واستصلحت أرض الحرتين الشرقية والغربية وغطتها المباني والحدائق والساحات والشوارع الحديثة, وأعيد بناء الكتلة العمرانية المحيطة بالمسجد النبوي وفق أحدث نظم البناء العالمية لتصبح المنطقة المركزية, ولتقدم أفضل خدمات السكن والتسوق لزوار المدينة من أنحاء العالم، وتطور التعليم وخرّجت الجامعات والمعاهد الآلاف من حملة الشهادات في كافة التخصصات، وانتشرت الثقافة في أجيالها الجديدة ذكوراً وإناثاً، وظهر منهم العلماء والكتاب والادباء والاعلاميون، وأسهمت مؤلفاتهم في تنشيط الحركة الثقافية في المدينة بخاصة والمملكة بعامة, ويجرى الآن العمل لقفزة حضارية جديدة تتمثل في إنشاء مدينة المعرفة الاقتصادية التي توظف أحدث ما وصلت إليه تقنيات العمارة الحديثة في بناء المدن النموذجية، ولاستقطاب رجال العلم والمبتكرين والمستثمرين والجامعات العالمية المتميزة، لتكون رائدة في العلم والثقافة والاقتصاد ولتواصل المدينة المنورة رسالتها التي بدأت في عصرها الذهبي الأول، رسالة النور والخير والسلام.

 والمدينة إذ تحمل لعام كامل مسؤولية عاصمة الثقافة الاسلامية، تعيد إلى الأذهان النبتة الأولى لهذه الثقافة، التي نبتت فيها، وذرت بذورها إلى الأمصار الاسلامية في الآفاق لتنبت حيثما نزلت، ولتكوّن حدائق الحضارة الاسلامية التي عطرت التاريخ قرونا عدة, ولتوكد أن جذور تلك النباتات مازالت حية في تربتها، وستنبت بإذن الله. ثم بهمة من حملوا مسؤولية الاحتفالية، زهورا فواحة وثماراً يافعة، فالجعبة ملآى بالمشروعات الواعدة، والعاملون كخلية نحل لا تهدأ,والأمل كبير بتوفيق الله سبحانه وتعالى.